إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
فإنَّ خير الكلام كلام الله، وخيرَ الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.
أيها المسلمون، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، وهي وصية الله للأوَّلين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131]، وتقوى الله هي امتثال الواجبات، واجتناب المحرَّمات، والتوبة من السيئات.
قال رجل لأبي هريرة: ما هي التقوى؟ قال: هل مشيتَ في طريقٍ فيه شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيتُ الشوك عدلتُ عنه أو جاوزتُه أو قصرتُ عنه، فقال أبو هريرة: (ذاك التقوى).
يا عباد الله، من لم يتق الله يندم عند موته، ويتمنى يوم القيامة أنه كان من المتقين، ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الزمر: 55 - 58].
من اتقى الله بفعل الواجبات وترك المحرمات والتوبة من السيئات فهو الفائز بدخولِ الجنة، والنجاةِ من النار، وفي تقوى الله كلُّ خير للأفراد والشعوب في الدنيا والآخرة، قال ربُّنا سبحانَه: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 2، 3]، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 5]، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].
أيها المسلمون، أعظم ثلاثة أسباب لتحصيل تقوى الله هي:
1- الحرص على عبادة الله، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]، فعبادة الله سببٌ عظيمٌ لتحصيل التقوى، لا سيما الصلاة في أوقاتها؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
٢- التمسك بالقرآن تلاوة وتدبرًا وتعلمًا واتباعًا، قال الله تعالى: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 63]؛ أي: خذوا القرآن بنشاطٍ وجِدٍّ وحزم، وتذكَّروا ما فيه من الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والمواعظ المؤثرة، فهو سببٌ عظيمٌ لتحصيل التقوى، فعلى المسلم أن يكثر من تلاوة القرآن واستماعِه، وأن يهتم بتعلمه وتدبره، فهو أعظمُ سببٍ للاستقامة على التقوى، ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ [التكوير: 27، 28]، فمن أراد الاستقامة على تقوى الله فعليه بهذا القرآن العظيم.
٣- التمسُّك بالسنة النبوية، وتركِ البدعِ المحدثة، فالإسلام بالاتباع لا بالابتداع، وهو دينٌ كاملٌ لا يحتاج إلى أي زيادة، وقد أوصانا الله باتباع الإسلام، وهو ما كان عليه نبيُّه محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ونهانا عن اتباعِ البدعِ التي لم يعملْها الرسولُ ولا أصحابُه، قال الله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153]، فالحق واحد، وهو الصراط المستقيم، والسبلُ كثيرةٌ مختلفةٌ، من الشهوات والشبهات، والبدعِ المحدَثات، فإذا أردنا التقوى فلنَتَّبع سُنَّة المصطفى، وما كان عليه أصحابُه أهلُ التقوى، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54]، وقال الله مخاطبًا أصحاب نبيِّه رضي الله عنهم: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ [البقرة: 137]، فمَنْ آمنَ كما آمن الصحابةُ فقد اهتدى للتقوى، ومن أعرض عن اتباعِهم فقد ضلَّ وغوى، فالصحابةُ هم أولُ المؤمنين من هذه الأمة، امتحن اللهُ قلوبهم للتقوى، وكانوا أحقَّ بها وأهلها، ومن اتَّبَع غيرَ سبيلِهم فقد توعَّدَه الله أن يُزيِّن له الباطل عقوبةً له، ويُعذِّبه في الآخرة، قال الله سبحانه: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115].
أيها المسلمون، الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة، هو أهلٌ أن نتقيه، وهو أهلٌ أن يغفر ذنوب من استغفره وتاب إليه، والعاقبة الحسنة للمتقين، و﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 27]، ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ [سورة هود: 3]، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم وجميع المسلمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله وليِّ المتقين، والصلاة والسلام على رسول الله إمام المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: